وقال الله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١].
كيف إنه يقول: لا إله إلا الله، نقول: هذا التألُّه لغير الله بغير حق، فلا يصح أن يُسمى تألُّهًا؛ لأن ما انتفى شرعًا انتفى وقوعًا؛ يعني بمعنى أنه يجب أن يكون منفيًّا وقوعًا، فهنا هذا التألُّه تأله باطل، والباطل لا قرار له، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦]، فهو باطل، وهذا هو الجمْع بين قوله تعالى هنا: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: ١٠١]، وقول قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص: ٥]، وبين قوله سبحانه وتعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم: ٢٣]، فهنا جعلها أسماء لا معاني، لماذا؟ لأنها باطلة شرعًا، فهي مجرد اسم آلهة، وإلا حقيقة ما تصح أن تسمى آلهة، لا تنفع، ولا تضر، ولا تخلق، ولا ترزُق، ولا تحيي ولا تُميت، فليست مستحِقَّة؛ لأن تكون آلهة.
وبهذا أيضًا نعرف أن قول الرسل لأقوامهم: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، هم يشاهدونهم يعبدون الأصنام، ويقولون لهم: ما لكم من إله غيره، أي: مِن إله حقيقي يستحق أن يُعبد، هذا هو الذي عليه المسلمون، وهو الذي جاءت به الرسل.
وأما من قال: (إله) بمعنى: (آلِه)، وجعل معنى الإله: القادر على الاختراع كما يقوله كثير من المتكلمين، يقولون: التوحيد هو أن تُوحِّد الله وتقول: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، هذا التوحيد عندهم، ولا يقولون: هو واحد في عبادته لا يُعبد سواه، ما يقولون هذا، حقيقة الأمر أن عندهم الإله يعني القادِر على الاختراع، هم يفسرونها هكذا، يقولون: لا إله إلا الله؛ لا قادر على الاختراع إلا الله، هل هذا هو التوحيد حقيقة؟ هل هذا معنى لا إله إلا الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لو كان هذا معنى: لا إله إلا الله، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش وقال: لا إله إلا الله، قالوا: على العين والرأس، أهلًا بك وسهلًا، إحنا نقول معك على المنابر (...) أعلى جبل فيه لا إله إلا الله، أو لا؟ هم ما يقدرون يقولون هذا؟ يقولون: لا قادر، قريش تقول: لا قادر على الاختراع إلا الله، بل لا خالق إلا الله، وكلمة لا خالق إلا الله أبلغ بعد من قادر على الاختراع، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، لكن الخالق؟
طالب: فعل.
الشيخ: قد فعل، وتحقق بقدرة منه، فصار توحيد المشركين خيرًا من توحيد هؤلاء المتكلمين، وهم منتسبون إلى الإسلام ويقولون: هذا دين الإسلام، إن معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا قادر على الاختراع إلا الله، سُبحان الله! لو كان هذا معنى التوحيد، كانت قريش تضاد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما تضاده، بل ترحب به وتناصره، ولا يقاتلون الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن ومن المؤسف أنه يُوجد كثير من المتكلمين الآن، أو من الكُتَّاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب، تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يُقرِّرون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا في الحقيقة غلط، هذا نقْص عظيم.
ومن المؤسف أننا نجد أيضًا في بعض الكتب وفي بعض المدارس عندنا التوحيد عندهم تجده حسب ما نُقِل لي، أنا ما قرأت الكتاب، أكثر ما يقرر توحيد الربوبية الذي لم يُنكِره المشركون، وهذا غير صحيح؛ لأن الواجب أننا نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية، أكثر من توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية في الحقيقة أمر ما أحد أنكره إنكارًا حقيقيًّا، حتى المجوس الذين يقولون بالظلمة والنور، يرون أن الظلمة تخلق والنور يخلق، لكن يرون النور أفضل؛ لأن النور يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر؛ فهي أفضل عندهم، حتى عند الذين يقولون بالخالقين، كوننا ما نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي بالحقيقة يغلب الهوى فيه، عبادة غير الله هي التي يُسيطر هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد أولياء، يعبد هواه، حتى النبي صلى الله عليه وسلم جعل الذي همه الدرهم والدينار ، جعله عابدًا، والله تبارك وتعالى قال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]؛ ولهذا قال بعض السلف قولًا صحيحًا مؤيدًا بالأدلة: كل معصية فهي نوع من الشرك، ليش؟ لأن الذي يحمل على هذه المعصية الهوى.
وقد جعل الله تعالى اتباع الهوى من الشِّرْك، وإن كان عندما نُقسِّم للتنويع باب الجنس الأعم، نقول: الشِّرْك شيء، والمعصية شيء آخر، فالزنا مثلًا ما هو بشرك، الزنا معصية، فالمعاصي كلها بالمعنى العام أو بالجنس العام في الحقيقة يمكن أن نعتبرها من الشرك، لكن بالمعنى الأخص تقسم إلى أنواع إلى: شِرْك أصغر وأكبر، معصية صغيرة، ومعصية كبيرة، وما تتعلق بحق الله، وما تتعلق بحق الإنسان، وما تتعلق بحق الخلق موجود.
فالحاصل أن لا إله إلا الله أنا أقول: إنه يجب علينا أن نحققها؛ لأنها غاية التوحيد، وهذا أمْر مِن أصعب ما يكون على المرء، لا تظن أنه سهل أننا الحمد لله نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن هذا الأمر يعني صعب كثيرًا، يقول بعض السلف: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص، وصحيح هذا صعب، صعب والله، ولا يعرف أنه صعب إلا المؤمن حقًّا؛ لأن غير المؤمن ما يهمه؛ ولهذا لما قيل لابن عباس أو ابن مسعود: إن اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة، إذا ما اليهودي يكبر للصلاة، وإلا قلبه حاضر، ما يروح يمينًا ولا يسارًا، مع أنهم معروفون بالدنيا وحب الدنيا، قال: صحيح، أنتم المسلمون قلوبكم مُوحِّدة، لكن هم قلوبهم خراب، فما يصنع الشيطان بقلب خراب ؟ يجي يخرب المهدوم؟ لكن يجي يخرب المعمور، (...) الساكن يجي يهدمه.
ولهذا لما شُكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به، قال: «وَجَدْتُمْ ذَلِكَ؟». قالوا: نعم. ويش قال؟ «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» ، يعني: ذاك العلامة البينة على أن إيمانكم صريح؛ لأنه نفى هذا، نفر منه، وورد عليه هذا الوارد، لا يرد هذا الوارد إلا على قلب صحيح، أما لو كان قلبًا متجمدًا؟ (...)، والله أعلم. (...).
ما يترتب عليه من الآثار الحميدة، وفي الباب الذي قبله ذَكَر التوحيد؛ يعني: وجوبه، وسبق الكلام على قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، وأما معنى قوله: لَمْ يَلْبِسُوا [الأنعام: ٨٢] لم يخلط.
ثم قال: يعني (عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ») «مَنْ»: ويش إعرابها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: شرطية.
الشيخ: اسم شرط، شرطية، والجواب قوله: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ».
وقوله: «مَنْ شَهِدَ» الشهادة: هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، وإلا فلا تتم الشهادة، لا بد من اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان، وتصديق بالجوارح وإلا فالشهادة كذب، أيش رأيكم يا جماعة؟ المنافقون جاؤوا للرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: ١]، جملة مؤكدة بثلاث: شهادة، وإن، واللام، هذا إقرار باللسان ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لكنه خالٍ من العقيدة بالقلب، وخالٍ من التصديق بالعمل، نفع ولَّا ما نفع؟
طلبة: ما نفع.
الشيخ: ما نفع، إذن: فاشهد أن لا إله إلا الله، بلسانك، وتعتقد أنه لا إله إلا الله بقلبك، لكن ما تعمل، ينفع ولَّا لا؟
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: وين العبادة؟ لأن لا إله: لا معبود، فكيف لا تعبد وأنت تشهد أنه ما في معبود إلا الله، وأنت أول من لم يعبده، وين الشهادة؟ إذن فالشهادة لا تتحقق إلا بعقيدة بالقلب، والثاني: الاعتراف باللسان، والثالث: تصديق بالعمل، واحد يشهد أن فلانًا قال: أشهد أن فلانًا زنديق مُلحد، لكنك إذا فتشت عن قلبه وهو يحبه محبة عظيمة، إذا فتشت عن عمله وإلا هو يواليه، ويقرب منه، ويأخذ بقوله، ويعتبره، ويش تكون الشهادة؟
طالب: كاذبة.
الشيخ: صحيحة ولَّا كاذبة؟
الطالب: كاذبة.
الشيخ: كاذبة، كيف تشهد أنه زنديق ملحد وتروح تحبه وتتبعه؟ وين الشهادة؟ فإذن لا بد من هذا، قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، نحن نشهد أنه لا إله إلا الله، ويش معنى لا إله إلا الله؟ هذه الكلمة لها أهمية عظيمة، ويش معنى لا إله إلا الله؟
طلبة: لا معبود إلا الله.
الشيخ: إن قلت: لا معبود إلا الله، قلنا: يكذبك الواقع؛ لأنه موجود من يُعبَد سوى الله، ولَّا لا؟ ولكننا نقول: لا معبود على وجه يستحق أن يُعبد إلا الله، وهذه الأصنام التي تعبد من دون الله وتسمى آلهة مجرد أسماء فقط، وإلا فلا تستحق أن تكون إلهًا؛ لأن ما فيها من خصائص الألوهية شيء، ما فيها من الخصائص التي تستلزم أن تُعبد شيء، قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، إن تكلمت ما سمعك، وإن أصابتك ضراء ما رآك، وإن طلبت منه واستعذته ما يغني عنك شيئًا، إذن بأي عقل تعبد من هذه حاله؟
إذن قول الرُّسل عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، ينفون وجود إله غير الله، والرسل أنفسهم يرون أنهم يعبدون الأصنام ويسمونها آلهة، لكن الرسل تعرف أن هذه التسمية أيش؟
طالب: غير صحيحة.
الشيخ: مجرد تسمية فقط وإلا حقيقة لا، ما تصلح أن تكون إلهًا، وإن تألَّهوا لها، وتعبَّدوا لها، وأحبوها، وعظَّموها فإنها ليست آلهة، ما هي مستحقة لهذا، واضح؟ إذن لا إله إلا الله، يجب أن نعرف معناها حقيقة؛ أي: لا معبود يستحق أن يعبد إلا الله، أما من عبد وهو من لا يستحق وهو كل من عبد سوى الله فإنه ليس بإله، وتسميته إلهًا؟
طلبة: كاذبة.
الشيخ: مجرد تسمية فقط، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [يوسف: ٤٠]، فالتسمية سمِّها إله وما هي بإله، وهكذا وأما من قال: إن الإله بمعنى: الآلِه، وثم فسَّره بأنه: القادر على الخلق، أو على الاختراع، فهذا باطل هذا التفسير، ويش يبطله؟ لأن المشركين يعتقدون في الله هذه العقيدة، وهم مشركون، قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لم يقولوا: لا إله إلا الله، فإذن الذي يُفسِّر لا إله إلا الله بهذا التفسير يُعتبر موافقًا للمشركين في فهمهم، بل هم أفهم منه؛ لأنه يعتقد أنه ما فيه إلا الله، وهم يعتقدون أنه ما في خالق غير الله لكن من باب التذلل والتعبُّد، والترخُّص، والتقرُّب، المشركون يرون أن هناك سوى الله.
قال: (وحده لا شريك له) هذا تأكيد لأي شيء؟
طلبة: للوحدانية.
الشيخ: (وحده) للإثبات، (ولا شريك له)؟
طلبة: للنفي.
الشيخ: للنفي، وقوله (لا شريك له) في أي شيء؟ في كل ما يختص به من ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات، (لا شريك له) في كل ما يختص به من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام وغيره من المؤمنين يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله؛ لأنهم يعرفون أنه لا شريك له.
والأعرابي الذي جاء والنبي عليه الصلاة والسلام كان تحت شجرة مُعَلِّقًا سيفه فأخذ السيف واخترطه، وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ الصحابة كلهم عنده، ما قال: يمنعني أصحابي، ويش قال؟
طلبة: الله.
الشيخ: يمنعني الله. قال: «اللَّهُ» ، هذا تحقيق الربوبية، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك الضر، والنفع، والخلق، والتدبير، والتصرف في الْمُلك، فإذن لا شريك له في أي شيء؟
طلبة: فيما ملك.
الشيخ: فيما يختص به من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
وقولنا: فيما يختص به، حتى نسلم من شُبُهات كثيرة؛ منها شبهات النافين للصفات؛ لأن النافين للصفات زعموا أن إثبات الصفات إشراك بالله عز وجل، حيث قالوا: إنه يلزم من ذلك التمثيل، إحنا نقول: لا، الصفات للمخلوق تختص به، وللخالق تختص به.
ثانيًا: (وأن محمدًا عبده ورسوله) صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي خاتم النبيين، عبد الله، ليس شريكًا مع الله، ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ولَّا شريك؟
الطلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: لا إله إلا الله، ليس شريكًا مع الله.
(ورسوله): ليس كاذبًا على الله، والله يقول له: قُلْمُعلنًا مُبَلِّغًا. لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨]، قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن: ٢١]، أيضًا: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن: ٢٢]، لو أراد الله بي شيئًا ما أجارني منه أحد، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢٢]، عرفتم؟ إذن هو عبد، مربوب، بشر، جميع خصائص البشرية تلحقه، ما عدا شيئًا واحدًا وهو ما يعود بأسافل الأخلاق فهو ممنوع منه، والله تعالى يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، شوف تحقيق البشرية بالْمِثْلِيَّة بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، لكن ما هي الميزة؟ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠]. هذا الفرق، فمن قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له ظل، وأنه يمشي في الشمس ونوره يُطفئ ظِلَّه، ما له ظلال، هذا لا شك أنه كاذب وادَّعى ما هو باطل، الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو بينور، تقول عائشة رضي الله عنها: كنت أَمُدُّ رجلي بين يديه وتعتذر فتقول: البيوت ليس فيها مصابيح ، لو كان الرسول مثل (...)؟
طالب: كان يُنَوِّر.
الشيخ: كان يُنَوِّر.
الطالب: ما تحتاج.
الشيخ: ما يحتاج إلى أن تعتذر، لكن الغلو -والعياذ بالله- أفسد الدين والدنيا.
يقول البوصيري في البردة المشهورة التي يتغنى بها الناس أهل الخرافات، يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
| يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَالِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ | سِوَاكَ ..................... |
أعوذ بالله!
| ................................. | .... عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ |
| إِنْ لَمْ تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَادِ يَدِي | .............................. |
أيش يقول؟
| .............................. | عَـــــفْوًا وَإِلَّا فَــــقُلْ يَا زَلَّـــــــةَ الْقَـــدَمِ |
| فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا | وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ |
أعوذ بالله، قال ابن رجب وغيره: إنه لم يُبقِ لله شيئًا، ما دام الدنيا والآخرة من جُود الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست جوده أيضًا منه، (...) ويش يبقى لله؟ أشهد بالله أن الذي يقول هذا ما شهد أن محمدًا عبد الله، شَهِد أن محمدًا فوق الله والعياذ بالله، كيف أنهم يعني يصل بهم الغلو إلى هذا الحد؟
النصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.
لكن دولا قالوا: فوق ما قالته النصارى، والرسول نهى عن ذلك (...)، قال:
«لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ» . هم قالوا فوق ذلك، قالوا: إن الله يقول:
«مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي» . والرسول معنا إذا ذكرناه؛ ولهذا ليلة المولد إذا منه تلا التالي عليهم المخرف: فوُلد المصطفى، قاموا جميعًا، جميعًا يقومون، قيام الرجل الواحد، ليش يا إخوان؟ أنا ما قلت: يا إخواني، قلت: يا إخوان، يقولون: لأن الرسول حضر مجلسنا، حضر بنفسه، فقمنا إجلالًا له، الصحابة رضي الله عنهم أشد أدبًا منهم ما فيه شك ومنا أيضًا، إذا دخل الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وهو حي يُكلمهم، يقومون ولَّا يقومون؟
طلبة: ما يقومون.
الشيخ: ما يقومون، دول يقومون إذا تخيلوا أو جاءهم الشيطان، ولكن الشيطان ما يتصور بصورة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن جاءهم شبح إن كانوا يشاهدون شيئًا قالوا: هذا الرسول، شوف فهم العقول كيف بلغت إلى هذا الحد، هل هؤلاء شهدوا أن محمدًا عبد الله ورسوله؟
طالب: لا، ما شهدوا.
الشيخ: ما شهدوا أن محمدًا عبد الله ورسوله أبدًا؛ ولذلك في الحقيقة أن هؤلاء المخرفين مساكين، نحن ننظر إليهم بعين القدر، ونرقُّ لهم، ونسأل الله لهم السلامة، وإذا نظرنا إليهم بعين الشرع فإننا يجب أن نقاتلهم حتى يعودوا إلى حظيرة الإسلام، نسأل الله العافية والسلامة.
إذن
(أن محمدًا عبده ورسوله) والرسول عليه الصلاة والسلام أشد الناس عبودية لله، أخشاهم لله، وأتقاهم لله عليه الصلاة والسلام، قام يُصلِّي حتى تورَّمت قدماه، وقيل له في ذلك، فقال:
«أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» . وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر، هذا تحقيق العبادة العظيمة.
أما الرسالة: فنعم، هو رسول الله، أرسله الله عز وجل بأعظم شريعة إلى جميع الخلق، وبلَّغ الرسالة، أليس كذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بلَّغَها غاية البلاغ، مع أنه صُودم وأُوذي، حتى جاؤوا بسلى الجزور وهو ساجد عند الكعبة ووضعوه على ظهره، كل ذلك كراهية له ولما جاء به، وإلا الناس يصلون في المسجد الحرام وما يقولون لهم شيئًا، لكن لماذا هذا جاء بهذا الحق، صبر ولَّا لا؟
طلبة: صبر.
الشيخ: يلقون الأذى والأنتان والأقذار على عتبة بابه، مع أن قريشًا معروفون بحسن الجوار، لكن هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام امتحان من الله عز وجل لأجل أن يتبين عِظَم صبره صلى الله عليه وسلم، لكنه ما يقول شيئًا يخرج ويقول:
«أَيُّ جِوَارٍ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؟» . إذن هو رسول، ما كَلَّ، ولا مَلَّ، ولا تقاعس، ولا أيس، بل جاهد عليه الصلاة والسلام حتى فَتَحَ الله عليه، وأنذر أُمَّ القرى ومن حولها، ثم إنه ولله الحمد لما نَقَّى الشريعة حَمَلها أشد الناس أمانة، وأقواهم على الائتمان، صحابته الكرام رضي الله عنهم، وأدَّوها إلى الأمة سليمة نقية، ولله الحمد.
هذا الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا حق الرسول علينا، نؤمن بأنه رسول الله، نحبه لحبنا لله عز وجل، لولا أنه جاء لم يكن بينه وبين أولاد عبد الله بن عبد المطلب فرق، أليس كذلك؟ ولكنه جاء بهذه الرسالة من الله، فأحببناه لله وفي الله، وليس حبنا له حُبًّا مستقلًّا، لكن أولئك الغالون فيه، يجعلون حبهم له حُبًّا مستقلًّا مُقدَّمًا على حب من أرسله، حتى إن بعضهم يموت كمدًا إذا فاتته زيارة المدينة، ولا يموت كمدًا إذا فاته حج البيت الحرام، وأنا شاهدت أناسًا وكنا نتكلم معهم في أيام موسم الحج جاء في اليوم الرابع من ذي الحجة ومنعت الطائرات أن تذهب إلى المدينة، فرأيته يبكي، ليش؟ قال: ما رخصوا لنا نروح المدينة، يا أخي، روح للكعبة أفضل، الكعبة أفضل من المدينة، قال: يا أخي، فاتتنا الأنوار، فاتتنا الأنوار، ويبكي؛ يعني مرة، تأثر تأثرًا عظيمًا.
يعني إلى هذا الحد ما يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم أن حبه من حب الله عز وجل، وأنه من أجل أنه رسول الله أحببناه عليه الصلاة والسلام، ونُقدِّمه على أنفسنا، وأولادنا، وأهلنا، والناس أجمعين، هذا هو الرسول الذي أرسله الله، ومن تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله ما ذكرناه قبل قليل، أن نعتقد ذلك بقلوبنا، ونعترف به بألسنتنا، ونُطَبِّق ذلك في متابعته عليه الصلاة والسلام، بمتابعته لا بالعمل له، ولكننا نعمل به، ولا نعمل له، نعمل لمن؟
طلبة: لله.
الشيخ: لله، ولكن برسول الله عليه الصلاة والسلام، نقتدي به ونتبعه صلى الله عليه وسلم، هذا من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله؛ ولهذا لاحظوا أنه ينقص من تحقيق هذه الشهادة، ينقص من تحقيقها المعصية، إذا عصيت الله نقص تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، ولَّا لا؟ لأنك خرجت من الاتباع بهذه الطريقة، إذا ابتدعت في دينه ما ليس منه نقصت شهادة أن محمدًا رسول الله، ليش؟ لأنك خرجت عن الشريعة بهذه البدعة، تعبَّدت لله، تقربت إليه بما لم يشرعه، مع أن هذه العبادة مردودة عليك ولَّا مقبولة؟ مردودة، كيف تتقرب إلى الله بشيء لم يشرع الله التقرب به إليه؟
ما مثل ذلك إلا مثل إنسان قرأ مرسومًا ملكيًّا، أن من أتى إلَيَّ بطبق من الخبز وفوقه بيض فأنا أقبله منه، فذهب ذلك الرجل فأتى فحفنة من تراب وعليها حصى فتقرب بها إلى الملك، أيش يقول؟ (...).
طالب: يحبسه.
الشيخ: يحبسه ويضربه بها، يردها عليه، كل إنسان تعبد لله بما لا يُقرِّب إلى الله فعمله مردود عليه، غير مقبول، وهذا في الحقيقة ليس بقربة لله عز وجل، كيف تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشيء ما شرع الله التقرب به إليه؟ هذا في الحقيقة جعلت ربك هزءًا، جعلته هزءًا، قد يقول: والله أنا ناوٍ التقرب إلى الله، لكن أخطأت الطريق، نحن نعذرك على نيتك، ولكننا لا نعذرك في مخالفة الطريق متى علمت أنك مخالف، والحقيقة أن الإنسان يجب عليه أن يقول الحق، هؤلاء الرعاع من العامة الطغام الذين يتابعون هؤلاء الأئمة المضلين، موقفنا معهم أيش؟
طالب: التوضيح.
الشيخ: موقفنا معهم، نوضح لهم، لكن موقفنا في الحكم عليهم أن نقول: عندهم نية، حب للخير، ربما يُؤجَرون عليها، لكن عندهم طريق غير صحيح، إنسان يريد أن يتجه إلى مكة ويحب مكة، ويتمنى أن يذهب إلى مكة، لكن من وين خرج؟ خرج من ناحية الشرق يصل إلى مكة ولا ما يصل؟
طلبة: ما يصل.
الشيخ: إحنا نقول: هذا رجل طيب يريد مكة، لكن نقول: الرجل أخطأ، راح من الطريق من هنا يبغي يروح للرياض، هكذا أيضًا المبتدعون، قد نقول: إنهم يُثابون على حُسن نيتهم إذا كانوا لا يعلمون الحق، ولكننا نخطئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق ولكن أرادوا أن يُبقوا جاههم فإننا نقول: أنتم كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وغيرهم، والوليد بن المغيرة، الذين قابلوا رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام بالرد والإنكار إبقاءً على رئاستهم وجاههم، وكذلك أنتم، وما مثلكم أيضًا إلا كمثل اليهود الذين كانوا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم ولكنهم أبقوا، أو بقوا على يهوديتهم وعاندوه إبقاءً على جاههم وحسدًا للرسول عليه الصلاة والسلام.
فمن علم من هؤلاء الأئمة الذين يدعون إلى البِدَع، علم الحق ولكنه عاند فإننا نقول: أنت بمنزلة أبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم، ولا نعذره في ذلك، ما نعذره، فالإنسان يجب أن يقول كلمة الحق، إذن هذا
(أن محمدًا عبده ورسوله).
والثانية:
(وأن عيسى عبد الله ورسوله) نقول فيها كما قلنا في محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نؤمن برسالة عيسى ولكننا لسنا مأمورين باتباعه إذا خرجت شريعته عن شريعتنا، فأما إذا وافقته؟
طالب: أن نتبعه.
الشيخ: أو لم تخالف فهي شريعة لنا؛ ولهذا كان شرع من قبلنا له ثلاث حالات بالنسبة لشرعنا:
تارة يكون مخالفًا له، فالعمل على شرعنا، وتارة يكون موافقًا له،، فنحن متبعون لشرعنا ومتبعون لهذا الشرع الذي قيل لنا فيه
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، وتارة يكون في شرع غيرنا مسكوتًا عنه في شريعتنا، فهنا اختلف أهل العلم، هل نعمل به أو ندعه؟ والصحيح من أقوال أهل الأصول أنه شرع لنا؛ لقوله تعالى:
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، وقوله:
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
تطرف في حق عيسى طائفتان: طائفة كذَّبته وقالت: إنه وَلَد زنا، وأن أُمَّه بغي، وقتلوه حُكمًا عند الله، ولم يقتلوه قدرًا، من هؤلاء؟
طلبة: اليهود.
الشيخ: هؤلاء اليهود، اليهود كذبوا عيسى، قالوا: أبدًا ما هو بنبي، عيسى -والعياذ بالله- ابن زانية، نسأل الله العافية، مع إن الله يقول:
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة: ٧٥]. (...) اقتلوه، فقتلوه وما صلبوه، لكن قتلوه وما صلبوه حُكمًا شرعيًّا لا حكمًا قدريًّا، هم شُبِّه لهم فقتلوا هذا المشبَّه وصلبوه، وقالوا:
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [النساء: ١٥٧]، فكانوا قاتلين له في حُكْم الله أيش؟
طالب: الشرعي.
الشيخ: الشرعي، لكنه في حكم الله القدري؟
طالب: لم يقتلوه.
الشيخ: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
وقسم ثاني من المتطرفين فيه قالوا: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلهًا مع الله، وهؤلاء من؟
طالب: النصارى.
الشيخ: النصارى، وهم كاذبون فيما قالوا، ونبرأ إلى الله تعالى مما قالوا فيه، ونبرأ إلى الله مما قال فيه اليهود أيضًا، ونشهد أنه عيسى عبد الله ورسوله، وأن أمه صِدِّيقة، وأنها أحصنت فرجها، وأنها عذراء ولكن
مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩].
طالب: شيخ، اليهود في شريعتهم قتلوا ولد الزنا يعني؟
الشيخ: لا، أبدًا كذبوه.
الطالب: كانوا قتلوه شرعًا.
الشيخ: إي، قتلوه شرعًا بمعنى في حكم الله الشرعي؛ يعنى أن الله حكم عليهم شرعًا بأنهم قتلة شرعًا. (...)
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى:
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» . أخرجاه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، تقدم لنا أن الشهادة لا بد فيها من ثلاثة أركان، ما هي؟
طالب: العلم (...).
طالب آخر: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الشيخ: الشهادة؟
الطالب: الشهادة، لا إله إلا الله.
الشيخ: إي، لها أركان.
الطالب: العلم، الإيمان بها، العمل بالجوارح، وأن نجزم بالقلب، الإيمان بالقلب.
الشيخ: الإقرار بالقلب.
الطالب: الإقرار بالقلب، والعمل بالجوارح، والقول باللسان.
الشيخ: سواء في شهادة أن لا إله إلا الله، أو أن محمدًا رسول الله، لكن الفرْق بس في العمل أنه بالنسبة لله تعمل له، أما في الرسول فتعمل؟
طالب: به.
طالب آخر: له.
الشيخ: به، لا، تعمل به، ما تعمل له.
قال:
(وأما عيسى عبد الله ورسوله) تكلمنا عليها، وفي هذه رد على اليهود وعلى النصارى؛ فاليهود قالوا: ليس برسول، والنصارى قالوا: ليس بعبد وإنما هو ثالث ثلاثة، وفي هذا الحديث رد عليهم، على اليهود وعلى النصارى.
قال:
(وكلمته ألقاها إلى مريم) (وأن عيسى كلمته التي ألقاها إلى مريم). قوله:
(كلمته) مستحيل أن نأخذها على ظاهرها؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس كلمة بل هو ذات، يأكل، ويشرب، ويبوَّل، ويتغوط، ويجري عليه جميع الأحوال البشرية، فليس كلمة لكنه أُطلِق عليه كلمة الله؛ لأنه صار بالكلمة، خلق بالكلمة،
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، فهو كلمة الله، بمعنى أنه خُلِق بكلمته؛ لأننا نعلم أنه ليس كلمة الله؛ إذ إن كلام الله وصف لله، معنوي ولَّا حسي؟
طالب: معنوي.
الشيخ: الكلام وصف معنوي، وأما عيسى فهو ذات بائنة عن الله سبحانه وتعالى يذهب، ويجيء، ويُصدَّق، ويُكذَّب، ويقول: من أنصاري إلى الله، ويجاب، إذن ليس كلمة.
فقوله:
(كلمته) أي أنه سبحانه وتعالى خلقه بهذه الكلمة. وقوله:
(ألقاها إلى مريم) يعني وجَّهَها إليها، ولكن أيضًا فيه واسطة سبب يكاد يكون حسيًّا، وهو: نفْخ جبريل فيها
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم: ١٢]، هذه النفخة بإذن الله لقحتها، ولكن بكلمة الله عز وجل؛ لأن مثل هذا النفخ ما يلقح لكنه بأمر الله صار ملقِّحًا.
الطالب: فَنَفَخْنَا فِيهِ [التحريم: ١٢]؛ يعني الخطاب لعيسى ولا لأُمِّه؟
الشيخ: لأمه
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ [التحريم: ١٢].
طلبة: مِنْ رُوحِنَا [التحريم: ١٢].
الشيخ: أي: في الفرْج.
طالب: قوله:
فَنَفَخْنَا فِيهِ [التحريم: ١٢].
الشيخ: نفخ فيه الروح يعني في بطنها؛ لأن هذا الذي نفخه في الفرْج وصل إلى البطن.
قال:
(كلمته ألقاها إلى مريم)، ومريم بنت عمران، أخت موسى وهارون كما قال (...)، ولكنها ليست أخت موسى وهارون، بعض الناس يظنونها أخت موسى وهارون؛ لأن موسى اسمه موسى بن عمران، وهي أيضًا مريم بنت عمران، فقال لها قومها:
يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم: ٢٨].
فبناءً على الاتفاق في اسم الأب، وفي اسم الأخ جزمت العامة بأنها أخت موسى وهارون، صحيح اللي ما يدري عن التاريخ يظن هكذا الأمر، يظن أن الأمر هكذا، ولكنه ليس كذلك إنما كانوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ» . فهارون أخو مريم ليس هارون أخا موسى، بل هو هارون آخر سُمِّي باسمه، وكذلك عمران سُمِّي باسم أبي موسى؛ أبوها.
قوله:
(وروح منه) روح منه، كلمة
(وروح)، يعني ويش معنى روح منه؟ يعني أنه عليه الصلاة والسلام صار جسده في الكلمة فنُفخت فيه هذه الروح التي هي من الله، وروح من الله، وليس عيسى أيضًا روحًا بل هو جِسم كما قال الله تعالى:
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [المائدة: ٧٥]، إذن فهو ليس بروح، بل هو جسد لكنه جسد ذو روح، وبالنفخ صار جسدًا، وبهذه الروح صار جسدًا وروحًا.
وقوله:
(وروح منه) (منه)، هذه (...) التي أضلت النصارى، وقالوا: إذن هو جزء من الله؛ لأنه روح منه، فضلوا وأضلوا كثيرًا والعياذ بالله، ولكننا نقول: إن الله قد أعمى بصائرهم
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، من المعلوم أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يأكل الطعام، وهذا شيء معروف، ومن المعلوم أيضًا أن اليهود يقولون: إنهم صلبوه، وهل يمكن لمن كان جزءًا من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل، ويشرب، ويقتل، ويُصلب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، أبدًا لا يمكن هذا، ولكن قوله: (منه) كقوله تعالى:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، إذن نقول: الشمس جزء من الله؟
طالب: لا.
الشيخ: والقمر جزء من الله؟ والأنهار جزء من الله؟! لا، ما أحد يقول هذا، ولكن هنا
(مِن) للابتداء وليست للتبعيض؛ يعني روح صادرة منه تبارك وتعالى وليست للتبعيض فهي كقوله:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، سواء بسواء لا فرق، واعلم أن ما نسبه الله إلى نفسه وأضافه إليها فإنه على ثلاثة أقسام: تارةً يكون عينًا قائمة بنفسها، وتارةً يكون صفةً في تلك العين، وتارةً يكون صفةً غير قائمة بعين.
هذه ثلاثة أقسام: تارةً يكون عينًا قائمة بنفسها، وتارةً يكون صفةً في عين، وتارة يكون صفة لا في عين.
القسم الأول: إضافته إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهو: العين القائمة بنفسها، مثل: ناقة الله،
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ [الشمس: ١٣]، هنا الناقة عين قائمة بنفسها.
والمثال الثاني: هذا الحديث:
(وروح منه) فإن الروح إذا لم نقل بأنها جسم، إذا قلنا بأنها جسم صارت من القسم الأول، فإن قلنا: إنها وصف، صارت من هذا القسم.
القسم الثالث: مثل قولك: كلام الله، وقُدرة الله، وعِزَّة الله، وما أشبه ذلك، فإن هذه أوصاف لم يُذْكَر موصُوفها، ما أضيفت إلى عين.
حكم هذه الأقسام الثلاثة: القسم الأول والثاني مخلوقان، والقسم الثالث غير مخلوق، ويش هو القسم الأول؟ العين القائمة بنفسها، أما في
نَاقَةَ اللَّهِ [الشمس: ١٣] مخلوقة،
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣] مخلوق، بيت الله
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج: ٢٦] مخلوق؟
طالب: إي.
الشيخ: إذن هذا الحديث:
(وروح منه) إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١]، كلمته، وروح منه، هذه اجتمع فيها مثالان، كلمته هذه وصف، كلام صفة للمتكلم، وَصْف مضاف إلى عين ولَّا غير مضاف؟
طالب: غير مضاف.
الشيخ: غير مضاف، مضاف إلى الله، وليس إلى عين ثانية، وعلى هذا تكون
(كلمته) صفة من صفات الله.
(روح منه) هذه أُضيفت إلى عين؛ لأن الروح أين حلت؟
طالب: في الجسم.
الشيخ: في جسم، فإذن هي مخلوقة، وليست هي روح الله عز وجل، أو جزء من الله، بل روح من الأرواح التي خلقها، فإضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.
القسم الأول: أن إضافة الخلْق إلى الله قد يكون على سبيل العموم، يُضاف لله على سبيل العموم، وقد يكون على سبيل الخصوص لشرفية فيه، مثل:
نَاقَةَ اللَّهِ [الشمس: ١٣] لشرفيتها، بيت الله: لشرفيته،
إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت: ٥٦] هذا للعموم ولَّا للخصوص؟
طالب: للعموم.
الشيخ: أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت: ٥٦] نعم، لو قال: المسجد الحرام، لو قال: حرمي مثلًا قلنا: هذا على سبيل التشريف، لكن
أَرْضِيتشمل كل الأرض فهو من باب العموم.
أما القسم الثالث: وهو ما لم يكن له عين يقوم بها فإنه يكون صفة لله عز وجل، وهذا كثير
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [الأعراف: ١٤٤]، هذه إضافة صفة إلى موصوف أو لا؟ يعني الإله متصف بها، فالرسالات والكلام صفة؛ لأن الإرسال فِعْل من أفعال الله، والكلام قول الله، فإذن يكون هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله إلى نفسه صفة فهذه الصفة غير مخلوقة؛ لأن جميع صفات الله ليست مخلوقة؛ وبهذا يتبين يا جماعة أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقِسم غير مخلوق؛ فالأعيان القائمة بنفسها، والأوصاف في تلك الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها هذا غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله تبارك وتعالى غير مخلوقة.
هذه القاعدة إذا طبقنا عليها هذا الحديث قلنا:
(روح منه)، الروح الآن أين حلَّت؟ في عيسى، فهي منفصلة، فتكون مخلوقة فإضافتها إلى الرب سبحانه وتعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا. (...)
طالب: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا. (...)
الشيخ: منها ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله؟ أيش معناها؟
طالب: أن لا معبود يستحق العبادة إلا الله.
الشيخ: ومعنى الشهادة؟
طالب: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: أن يصدق بالجوارح.
الشيخ: التصديق بالجوارح؛ لأن التصديق بالأفعال شهادة؛ ولهذا قال العلماء: إن نصر الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام على أعدائه شهادة له بأنه على حق، والنصر فِعْل وليس بقول.
وفيه أيضًا من المسائل المهمة قوله في عيسى بن مريم إنه:
(كلمته ألقاها إلى مريم) أيش معنى قوله:
(كلمته)؟
طالب: كلمته: أي أنه لم يأتِ من أب، وإنما كلمة من الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الكلمة صفة المتكلم، وهي معنى لا ذات، وهنا قال: إن عيسى كلمة.
الطالب: أي أنه تكوَّن بكلمة من الله سبحانه وتعالى كن في مريم فتكون.
الشيخ: ويش الدليل أن المراد بالكلمة أنه كان بالكلمة؟
الطالب: قول الله سبحانه تعالى:
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا [النساء: ١٧١]، (...).
الشيخ: ويش الدليل على أن معنى قوله:
(كلمته)، أي: كان بكلمته؟
طالب: أي أن قوله تعالى: (إنما مثل عيسى).
الشيخ: إنما ولا إن مثل؟
الطالب: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩].
الشيخ: إي نعم، هذا دليل على أنه
(كلمته) أي كان بكلمته، قوله، من المسائل المهمة أيضًا. قوله:
(وروح منه) روح منه؟
الطالب: روح منه، (...).
الشيخ: (روح منه)، ويش معنى روح منه؟
الطالب: (...).
الشيخ: روح منه؛ يعني معناها جزء من رُوح الله؟
الطالب: كقوله تعالى:
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢].
الشيخ: (...) عيسى خاصة بهذا كل أرواحنا من أمر الله.
الطالب: إضافة الصفة.
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: ١٧١]، دليل على أن الله إله واحد سبحانه وتعالى، ولو كان مخلوقًا من الله سبحانه وتعالى، لو كان من الله صار إله معه.
الشيخ: وأيضًا؟
طالب: قوله تعالى:
وَسَخَّرَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣].
الشيخ: ومعلوم أن النصارى ما يقولون: إن السماوات انشقت السماوات والأرض من جزء من الله، فدل هذا على أن ما أُضِيف إلى الله من الأشياء المنفصلة، سواء كانت معاني ولا ذوات، فإنها تكون مخلوقة وليست من صفات الله، فإضافتها إليه إضافة خلق إلى خالقه.
ذكرنا فيما سبق على هذا التقرير أن المضاف إلى الله ينقسم إلى؟
طالب: ثلاثة أقسام (...).
الشيخ: أو خلق.
الطالب: أو خلق (...).
الشيخ: أو خلق كأرض الله، وسماء الله، وما أشبه ذلك،
إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت: ٥٦].
الطالب: أو تكون صفة قائمة (...) أو تكون صفة غير قائمة (...).
الشيخ: إذا كان عينًا قائمة بنفسها، أو صفة في تلك العين، سواء قلنا: إن الروح جسم كما هو المعروف، أنه جسم لطيف؛ لأنه يُقبَض ويُشاهَد، أو قلنا: إنها صفة، إنما المضاف إلى الله تبارك وتعالى من الأعيان أو من الأوصاف القائمة في تلك الأعيان، ويش يكون؟
طالب: مخلوق.
الشيخ: مخلوق، فإضافته إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ لبيان العموم كما في قوله:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، أو لإرادة التشريف والتكريم مثل: ناقة الله، وبيت الله، أما إذا كان وصفًا غير قائم بذات فهو؟
طالب: غير مخلوق.
الشيخ: صفة من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعِزَّة الله، وقُدرة الله، وسلطان الله، وما أشبه ذلك. طيب عباد الله؟
طالب: مخلوقون.
الشيخ: عباد الرحمن؟
طالب: مخلوقون.
الشيخ: لأنهم أعيان قائمة بذاتها.
طالب: إذا قلنا: إن (...) من الله، أرواح الخلق كلها من الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هل يجوز أن نقول: إن الخلق أرواح لله؟
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، من غير تشكيك، ما كل الأرواح تكون مُشرَّفة وتضاف إلى الله، إنما كل الأرواح من الله خلق، أرواح المؤمنين والكافرين من الله خلقًا، يخبر عنها، أما أن ننسبها إلى الله ونقول: هذا فلان روحه روح الله مثلًا، أو روح من الله، ما يصلح.
الطالب: في الحقيقة الروح من الله ما دام.
الشيخ: إي، بس ما نضيفها على وجه التخصيص، إحنا قلنا: المضاف إلى الله من مثل هذه الأمور إما للتخصيص لشرفها، أو لإرادة العموم، فالعموم لا بأس، مثل:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣] لإرادة العموم، أما إذا كان للتشريف فلا تضيف إلا من شَرَّف الله فقط؛ لأن ما لك أن تشرف أحدًا وتضيفه إلى الله، قد يكون من أعداء الله.
طالب: صارت في بعض ألفاظ الحديث: (وروحه)؟
الشيخ: روحه؟ يمكن لكن نفس الشيء، لكن في القرآن.
الطالب: ونفخ.
الشيخ: لا، هذه في آدم
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩]، وكذلك أيضًا
فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا،
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء: ٩١]، مذكورة في القرآن مضافة.
الطالب: شيخ، قال الله تعالى في القرآن:
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩] (...).
الشيخ: إي نعم (...).
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم (...).
الطالب: فهل هذا (...)؟
الشيخ: على كل حال على سبيل العموم تقول: أرواح بني آدم من الله، ما يخالف، على سبيل العموم.
الطالب: ما كان في (...) عيسى على محمد، تخصيص؟
الشيخ: لا، ما فيه أحد، تخصيصه لدفع قول اليهود؛ لأن اليهود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لهم سيطرة (...)، وكانوا يقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام إنه وربه، فأراد الرسول أن يبين الرد عليهم.
قال:
(وروح منه). فيها أيضًا من الفوائد: قوله:
(أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، قلنا: إن الإدخال للجنة ينقسم إلى قسمين: إدخال كامل لم يُسبق بعذاب، وهذا لمن أتم العمل، وإدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل، فإن المؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته إن شاء الله تعالى عذَّبه، عذبه بقدر عمله، وإن شاء لم يعذبه
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨].
قال:
(ولهما ما في حديث عتبان: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ») . عتبان بن مالك أحد الأنصار رضي الله عنه كان يُصلِّي مع النبي صلى الله عليه وسلم فضعف بصره، وصار يشق عليه المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إليه، وأن يصلي في مكان من بيته ليتخذه مُصلًّى، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه طائفة من أصحابه، فلما دخل البيت، قال:
«أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟». فبدأ بالحاجة التي جاء من أجلها، فقال: صلِّ ها هنا، فصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم بهم ركعتين، صفوا وراءه وصلى بهم، ثم جلس على طعام صنعوه له، فجعلوا يتذاكرون، فتذاكروا رجلًا يقال له: مالك بن الدخشم، فقال بعضهم: هو منافق. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
«لَا تَقُلْ هَكَذَا، أَلَيْسَ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟». قالوا: نعم. قال:
«فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ».
فنهاهم أنهم يقولون: منافق وهم ما يدرون عما في قلبه؛ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهنا الرسول قال:
«لَا تَقُلْ هَكَذَا»، ولا برأ الرجل، إنما أتى بعبارة عامة؛
«أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». ونهى أن نطلق ألسنتنا في عباد الله الذين ظاهرهم الصلاح، ونقول: هذا مراء، أو منافق، وما أشبه ذلك؛ لأننا لو أخذنا بما نظن فسدت الدنيا والآخرة، كثير من الناس نظن بهم سوءًا، وما يجوز أننا نقول ذلك وظاهرهم الصلاح؛ ولهذا قال العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.
قوله:
(فإن الله حرَّم على النار) أي: منع النار، تحريم بمعنى المنع، ويش منْع؟
(من قال: لا إله إلا الله)، لكن بشرط الإخلاص
(يبتغي بذلك وَجْه الله) يبتغي بمعنى يطلب وجْه الله، والقائل لها طالبًا وجه الله، يعمل ولَّا لا؟
طالب: يعمل.
الشيخ: يعمل؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، ما قال: من قال: لا إله إلا الله وسكت، قال: يبتغي؛ فلا بد من إخلاص القلب في هذا القول، ولا شك أن كل من يبتغي فلا بد أن يعمل ويطلب الوصول إلى بغيته، لو تقول: أنا أبتغي أن يكون عندي مال كثير، تنام وبس، ولا تسعى له؟
طالب: تسعى.
الشيخ: والله إني صادق إن ودي مال كثير، وهو قاعد ما يتحرك، أيش نقول يعني؟ صادق ولَّا ما هو صادق؟ ليس بصادق، لا بد أن يطلب، كل من قال: لا إله إلا الله، مثلما قلنا فيما سبق من شهد، كل من قال: لا إله إلا الله فلا بد أن يكون هذا الإله الذي لا معبودَ عنده بحق سواه، لا بد أن يكون مطلوبًا، وأن يكون قرة عينه، وسرور قلبه، والوصول إليه أحب إليه مِن كل شيء، وإذا كان كذلك فلا بد أن يعمل، حينئذٍ ما نحتاج إلى قول الزهري؛ لأن الزهري رحمه الله لما ساق الحديث، كما في صحيح مسلم قال: ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحُرِّمَت أمور، فلا يغتر مغترٌّ بهذا
.
إحنا نقول: ما نحتاج إلى تعليق الزهري على هذا الحديث، بل نقول: إنه واضح الحديث، لكن نعم، ربما يجي عامي مثلًا عامي، ويقول: أنا أقول: لا إله إلا الله، أبتغي بذلك وجه الله، نقول: ابتغاء وجه الله بمجرد هذا القول ما يوصلك، ولَّا لا؟ ما وصلت لها؛ ولهذا لما قال الرسول:
«مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . قال بعض السلف: نعم، مفتاح الجنة لا إله إلا الله لكن تأتي بمفتاح ما له أسنان، يفتح ولَّا ما يفتح؟ ما يفتح، لو بقيت كل الوقت ما فتحت، فعلى كل حال الحديث -ولله الحمد- ظاهر
(يبتغي بذلك وجه الله).
رجل يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ويقول: لا إله إلا الله، وكلما زنى زنية قال: لا إله إلا الله أبتغي بذلك وجه الله، صادق ولَّا لا؟
طالب: لا، كاذب.
الشيخ: كاذب، كيف تبتغي وجه الله وأنت تزني والرسول عليه الصلاة والسلام يقول:
«لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . فضلًا عن أن يكون مبتغيًا، قال: وهو مؤمن، فضلًا على أن يكون مبتغيًا لوجه الله، فلا بد من أن يكون هذا القول بهذا القصد، يبتغي بذلك وجه الله.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله -وقوله حق-: إن المبتغي لا بد أن يكمل وسائل البغية، وإذا كملها حُرِّمت عليه النار تحريمًا مطلقًا، صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معلوم، إذا أتى بالحسنات على الوجه الأكمل، فإنها تُحرَّم عليه تحريمًا مطلقًا، ما يقربها أبدًا، فإن أتى بشيء ناقص، فإن الابتغاء فيه نقص، ولَّا لا؟ فيه نقص، إذن يكون التحريم فيه نقْص، تحريم ناقص؛ بمعنى أنه يكون عُرضة لأن يدخل النار لكن يمنعه الخلود ما معه من الإيمان والتوحيد؛ لأنه ناقص، فأنت تجد الشرع كله محكم
جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦]، كله محكم ولله الحمد ما يناقض بعضه بعضًا، في هذا رد على من طوائف البدع، رد على المرجئة والخوارج والمعتزلة؛ لأن المرجئة يقولون: يُكتَفى بقول: لا إله إلا الله، بدون ابتغاء، مَنْ قال: لا إله إلا الله، فإنه يدخل الجنة ويُحرَّم على النار، تقول لهم: كيف هذا بدون عمل؟ قال: نعم، المنافقون يقولون: لا إله إلا الله، ما قالوها عن صِدْق، قالوها خوفًا من السَّوْط فقط لا لله، وفيه رد أيضًا على الخوارج والمعتزلة؛ لأن ظاهر الحديث أنه إذا فعل محرمات فإنه لا يخلد في النار ولَّا لا؟
ما دام عنده قول: لا إله إلا الله يبتغي به وجه الله، فلا بد أن يكون لها أثر، ولو أن الابتغاء يسير لا بد أن يكون له أثر، وأولئك يقولون: مَنْ فعل كبيرة مخلَّد في النار، ما يمكن أن يدخل الجنة أبدًا والعياذ بالله، وهم على طرفي نقيض مع المرجئة.
ثم قال:
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ» ). علمني شيئًا أذكرك، هي بالرفع ولَّا بالجزم؟
طالب: علمني شيئًا أذكرك (...).
الشيخ: أذكرْك،
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [مريم: ٥، ٦] يَرِثُنِي ولا يَرِثْنِي؟
طالب: يَرِثْنِي.
طالب آخر: يَرِثُنِي في الآية.
الشيخ: بالضم يَرِثُنِي، هذه بالنسبة شيئًا أذكرك، صفة لشيء،
(«عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ»). وليست هي بالأمر؛ المعنى أن هذا الشيء علِّمنيه لأجل أن أذكرك به وأدعوك، شوف هو طلب أمرين: ذِكْر الله عز وجل ودعاءه، بماذا أجابه الله سبحانه وتعالى:
(«قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»). قل: لا إله إلا الله، وهو طلَب أمرين؛ الذكر، شيئًا يذكره به، ويدعو به، وهذا ذِكْر ولَّا دعاء؟
طالب: هذا ذِكْر.
الشيخ: هذا ذكْر، لكنه متضمن للدعاء؛ لأن الذاكر أيش يريد؟
طالب: الدعاء.
طالب آخر: يريد رضا الله.
الشيخ: يريد رضا الله والوصول إلى دار كرامته، إذن فهو مُتضمِّن للدعاء.
طالب: يذكر الله عز وجل.
الشيخ: لا، بس يقول: لا إله إلا الله، يقول:
| أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي | حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ |
يعني عطاءك، وفيه أيضًا بيت آخر استشهد به ابن عباس رضي الله عنه بأن الذكر معناه الدعاء، نسيته سبحان الله العظيم! كان على ذكر مني لكني نسيته.
طالب: | إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْعَبْدُ يَوْمًا | .................... |
الشيخ: إي نعم.
| إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْعَبْدُ يَوْمًا | كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ |
فهنا لا إله إلا الله، ثناء على الله، لكن يكفي بالنسبة لله تبارك وتعالى؛ لأنه أكرم الأكرمين، فهنا نقول: هذا الذِّكر متضمن للدعاء حقيقة؛ لأن الذاكر إنما يريد معنى مقصودًا وهو رضا الله تعالى والوصول إلى كرامته.
طالب: (...) علمه بحالي.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، هذا ما عمل، (...) هذا ما عمل، إذن ما أنا بسائل لا بالذكر ولا بالدعاء (...) إذن ما أنا بذاكر، ولا أنا بداعٍ، علمه بحالي يكفي عن سؤالي.
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: لا، رؤيته؛ لأنه يرى الله سبحانه وتعالى.
(«قَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا») كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله، وليس معنى ذلك من موسى أنها كلمة هينة أبدًا لكنه يقول: أنا أريد شيئًا أختص به؛ لأن تخصيص الإنسان بالأمر يدل على منقبة له ورِفْعة، هذا هو الذي يريد، ولا يجوز أن نفهم منه أنه قد تقالَّ هذا، أبدًا؛ لأن موسى يعرف هذا، فبيَّن الله له أنه مهما أُعْطِي لم يُعطَ أفضل من هذه الكلمة.
قال الله له:
(«يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ») السبعِ أو السبعَ؟
طالب: السبعَ.
الشيخ: السماواتِ بالكسر؟
الطالب: جمع مؤنث سالم.
الشيخ: وهذه السبع صفة للسماوات، وصفة المجرور مجرور؟
طالب: لا، منصوب.
طالب آخر: السماوات منصوب.
الشيخ: منصوبة السماوات؟
طالب: لأنها جمع مؤنث سالم.
الشيخ: فينصب؟
الطالب: بالكسرة.
الشيخ: بالكسرة، في هنا السبعَ، قال الله تعالى:
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ [المؤمنون: ٨٦] طلبة: (...).
الشيخ: هذه مجرورة صح،
(«لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي») «عَامِرَهُنَّ غَيْرِي»: العامر للشيء الذي عمر به الشيء، وليس المراد الباني للشيء، عندنا باللغة العامية، عَمَر البيت؛ يعني: بناهُ، والمراد بالعمران السُّكْنى، المراد بالعمران ما هو بالبناء، السكنى، فمعنى قوله:
(عامرهن) أي: ساكنهن؛ أي: مَنْ فيهن.
وقوله:
(«غَيْرِي») استثنى نفسه تبارك وتعالى؛ لأن قولك: لا إله إلا الله ثناء عليه، والْمُثنى عليه أعظم من الثناء؛ ولهذا استثنى فقال:
(«غَيْرِي»)، وهنا يجب أن نعرف أن كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء، كون الملائكة في السماء كونٌ حاجيٌّ، هم ساكنون في السماء محتاجون إلى السماء، لكن الرب تبارك وتعالى ليس محتاجًا إليها، بل إن السماء وغير السماء محتاج إلى الله سبحانه تعالى.
طالب: استثنى
(«غَيْرِي») فيكون الله سبحانه وتعالى في السماوات (...).
الشيخ: إي نعم، لكنه فيها فوق، في الفوقية، ونحرر المسألة هذه (...).
قال:
(«وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ») أيضًا يعني ولو أن الأرضين السبع، في بعض النسخ عندكم بالرفع؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا ما يصح؛ لأنه إذا عطف على اسم إن قبل استكمال الخبر؛ وجب النصب.
(«وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ؛ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»)؛ لِعِظَمها، يعني معناها إذن لا إله إلا الله أعظم من السماوات والأرض ومَنْ فِيهن؛ لأنها تميل بهم، وترجح بهن فدل ذلك على فضلها وعِظَمِها، ولكنها كما أسلفنا لا بد فيها من الشروط، وأما مجرد أن يقولها القائل، فكم من إنسان يقولها ولكنها عنده كالريشة ما تساوي شيئًا؛ لأنه لم يقُلها على الوجه الذي تمت فيه الشروط وانتفت فيه الموانع.
وقوله:
(«مَالَتْ بِهِنَّ») أيش معنى مالت بهن؟
طالب: يعني رجحت.
الشيخ: رجحت حتى يعني يملن بها،
(«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، رواه ابن حبان والحاكم وصححه) ونرجو من الإخوان أنهم يخرجونه لنا.
طالب: (...).
الشيخ: (...) واحد.
الطالب: عندي موجود (...).
الشيخ: (...) عندك الآن؟
الطالب: إي موجودة.
الشيخ: تجيبها إن شاء الله الدرس القادم، أنت بتجيب هذا والأخ، (...) والله أعلم. (...).
أو حجم الأرض، المعنى قُراب الأرض مثلما يقول الناس قرابة كذا، أي: ما يقاربه إما ملئًا أو ثقلًا أو حجمًا.
(«بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا») جمع خطيئة، وهي: الذنوب، كما قال الله تعالى:
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١]، وفي قراءة
{خَطِيآتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [البقرة: ٨١]، فالخطايا الذنوب، العظام ولَّا ولو كانت صغيرة؟
طلبة: ولو كانت، عام.
الشيخ: ولو كانت صغيرة؛ لقوله:
مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١]. وقوله:
(«ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا») جملة
«لَا تُشْرِكْ» في موضع نصب على الحال، الحال من؟
طالب: لله.
طالب آخر: للقيت.
الشيخ: لا، هي منين؟
الطالب: للياء.
الشيخ: لا، ما تصلح من الياء؛ لأن
«لَقِيتَنِي» عليه تعود على الله.
طالب: من التاء.
الشيخ: من التاء، إي من الفاعل التاء؛ يعني لقيتني في حال
«لَا تُشْرِكْ بي شَيْئًا»، و
«شَيْئًا». هذه نكرة في سياق الشرط أو النفي؟ في سياق النفي، فتكون للعموم؛ يعني لا تُشرك بي شيئًا، لا شركًا أصغر، ولا شركًا أكبر، وهذا قيد عظيم، ليس بالْهَيِّن، قد يتهاون به الإنسان ويقول: أنا غير مشرك لكن قد يكون مشركًا وهو لا يدري، فحُبُّ المال بحيث يُلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» . إلى آخره، فسمى النبي عليه الصلاة والسلام من كان هذا همه، سماه عبدًا له، فالمسألة هذه ليست بالهينة، أمرها عظيم،
(«لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا»).
هو عنده خطايا عظيمة كثيرة، لكنه لا يُشرك بالله، تغلبه نفسه أحيانًا فيقع في هذه الخطايا، إلا أنه مُخلص لله تعالى في طاعاته وعباداته، فيقول:
(«لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً») الحمد لله، يعني أن حسنة التوحيد حسنة عظيمة، تُكَفِّر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله. وقوله:
(«لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً») . يعني قُرابها مثلما قلنا: ما يقاربها حجمًا أو وَزْنًا أو ملئًا.
ففي هذا الحديث: بيان فضل التوحيد، وأنه سبب لتكفير الذنوب، والترجمة يقول المؤلف:
(باب فضل التوحيد)؟
طالب: وما يُكَفِّر من الذنوب.
الشيخ: (وما يُكَفِّر من الذنوب) فهذا الحديث مُطابِق تمامًا؛ لقوله:
(وما يُكَفِّر من الذنوب).
ثم ذكر المؤلف المسائل التي تُستنبط من هذا الباب وما فيه من (...)، فقال:
(فيه مسائل).
طالب: هل فِعْل الكبائر فيه نوع من الشرك؟
الشيخ: إي نعم، فيه نوع لكن ما هو بالشرك الذي نُفي في قول الله:
لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج: ٢٦] وإلا فيه نوع من الشرك؟
طالب: لو كان مُوحِّدًا حقًّا لما عصى.
الشيخ: معلوم؛ ولهذا قال الله تعالى:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]، لكن قد لا يكون الإنسان أحيانًا مُغَلِّبًا الهوى على الهدى، قد تغلبه نفسه ويأتي بالشيء بجهالة من حيث لا يشعر.
يقول:
(الأولى: فيه سعة فضل الله) منين يؤخذ؟
طالب: يكفر الذنوب.
طالب آخر: (...).
الشيخ: يمكن من هذا، أو من قوله:
(«لَأَتْيَتْكُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً») ولكن ما هذا بالظاهر؛ لأن المؤلف (...).
(كثرة ثواب التوحيد عند الله)؛ لقوله:
(«مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»). (والثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب)؛ لقوله:
(«لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»). (الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] وين التفسير؟
طلبة: (...).
طالب آخر: الظُّلْم بالشِّرْك.
الشيخ: الحديث الذي معنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..
طالب: (...).
الشيخ: الظاهر أنه يشير إلى الحديث اللي ذكره، أنه لما قالوا: يا رسول الله، أيُّنا لم يظلم نفسَهُ؟ قال:
«أَوَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» .
طالب: ما أورده؟
الشيخ: ما أورده المؤلف، لكن يبغيك تدوره، تفسير الآية معناها إن فسر أنت ودور اللي فيها.
(الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة)، خمس ولا أكثر؟
طالب: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ».
الشيخ: خمس، لكن هم ست في الحقيقة (...)، ثنتين (...)، الشهادتان واحدة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلهما واحدة في قوله:
«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». هذه واحدة،
«وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ».
طالب: هذه أربعة.
الشيخ: لا هو المؤلف لازم أنه اعتبر شيئًا.
الطالب: اعتبر الجنة والنار.
الشيخ: أنا أقول: لعله اعتبر أن الشهادة لا إله إلا الله؛ واحدة، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ واحدة، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه؛ واحدة، وأن الجنة حق؛ واحدة، والنار حق. يعني ما ذُكِر في موضوع واحد، اعتبره المؤلف واحدًا؛ يعني محمدًا عبده ورسوله واحد، وعيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
طلبة: واحدة.
الشيخ: تعتبر واحدة، حينئذٍ يتم الخمس.
طالب: أدخله الله الجنة، ما تعد منهم؟
الشيخ: لا، الخامسة اللي هي سبب دخول الله الجنة.
(السادسة) يقول:
(أنك إذا جمعتَ ما بينه وبين حديث عتبان وما بعده) حديث أبي سعيد
والثاني حديث أنس
،
(تبين لك معنى قول: لا إله إلا الله وتبين لك خطأ المغرورين)؛ لأنك تبغي بها وجه الله؛ هذه لا بد منها، وهي التي تحمل المرء على العمل الصالح، فبعض الناس يظن أن الإنسان لو ما عمل شيئًا إذا شهد هذه الشهادات لو ما عمل أي خير، لكن اللي هو لا بد منه أن يكون يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى علشان تحمله على العمل الصالح.
(السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان) ويش هو؟
طالب: يبتغي به وجْه الله.
الشيخ: يبتغي بذلك وجه الله، لا بد أن يُنتبه له، ما هو بمجرد أن يقول: لا إله إلا الله يدخل الجنة، أو يحرم على النار، فإن المنافقين يقولون: لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، ومع ذلك ما تنفعهم.
طالب: شيخ، قول الله سبحانه وتعالى:
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦] (...)؟
الشيخ: هم يعبدون الجنة؟
الطالب: يبتغون فضلًا.
الشيخ: يعبدون لها، يعبدون الله لها.
الطالب: للجنة.
الشيخ: إي، ما هم بيعبدون الجنة.
(الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله).
طالب: حديث موسى.
طلبة آخرون: (...).
الشيخ: حديث موسى
، يعني ينبغي لهم من باب أولى، ولا غيرهم من باب أولى، وإحنا إن شاء الله نطالب الأخ مرتين أو ثلاثًا بأن يعجل لنا ببحثه.
(التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه) كيف يعني؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأن البلاء من القائل لا من القول، القول نفسه لو وُزِنت بهن السماوات السبع، والأرضون السبع لمالت بهن، لكن الكلام على القائل، إذا كان القائل أخل بشرط من الشروط، أو وُجد مانع من الموانع، فإنها تخف بحسب ما عنده.
(العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات)؛ لقوله:
(الأرضين السبع)، وليس في القرآن تصريح بأن الأرَضين سبْع، السماوات صريحة
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، لكن الأرضون ليس فيه تصريح إلا قول الله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، فإن الْمِثلية في الكيفية لا ترد هنا؛ لظهور الفرْق بينهما كيفية ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش باقي علينا؟ العدد، ما بقي إلا العدد، هي ليست كالسماوات في خلقتها وهيئتها وارتفاعها وحسنها، ولكنها مثلها في العدد، يعني ما يبقى إلا العدد، أما السنة فهي صريحة جدًّا بأنها سبع، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:
«مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .